في ماهيّـة الحب..

بقلم: خولة الفرشيشي (كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة)

المصدر: مجلة ميم - meemmagazine.net

من الصعب جدّا أن نجد تفسيرا كافيا لماهيّة الحبّ، ربّما نعتبر تعريفه كحالة قصوى من الانجذاب العاطفي والجسدي شكلا من أشكال الإجحاف، فهو حالة نفسية ووجدانية يصعب علينا إدراك ماهيتها إلا بخوض تجربة الحبّ.

يذهب  المفكر الفرنسي ” ألان باديو ” إلى تعريف الحبّ في كتابه ” في مدح الحبّ ” إلى أن الحبّ هو: “أن تناضل في وراء العزلة، مع كلّ ما يمكن أن ينعش وجودك في هذا العالم”.

إذن الحبّ هو شكل من أشكال الكينونة، فأن تحبّ هو أن تصنع وجودك بشكل ما في العالم، إنّ الحبّ الذي لا يصنع حالة من الشغف تجاه الحياة والعالم والأشياء هو حبّ منقوص أو حبّ مزيف.

من السهل جدّا أن تقع في الحبّ وأن تبوح لنفسك وللشريك والآخرين بعشقك، ولكن من الصعب الاستمرار في الحبّ لسنوات بنفس شغف اللحظة الأولى.

في هذا السياق، نستعير من باديو قوله “الحبّ الحقيقي هو الحبّ الذي ينتصر باستمرار، أحيانا بألم، فوق العوائق، التي تقف حاجزا عبر الزمن عبر الزمن والمكان”.

إنّ لحظة الحبّ هي لحظة مكثفة لا يمكن اختزالها بسهولة، إنّها لحظة مادية متصلة بسياقات ما ورائية. نحن نحبّ بقلوبنا وعقولنا وأجسادنا،  فمن يسهل عليه تعويض الشريك بشريك آخر هو عاشق مزيّف..

من يحبّ فعلا يختصر العالم والمعنى مع شريكه، إنّه عينه وكيانه في العالم، لا يكتمل إلا به، ربّما نفهم في هذا الإطار قصص الحبّ الجنونية وأغاني أمّ كلثوم وقصائد الأسلاف وحكمة الأجداد..

من يحبّ حقا لا يعترف برهان العقل والمادّة، ربّما يحتضر العاشق وهو  يردد لطاغور “كلمة واحدة احفظها لي في صمتك، أيّها العالم، حين أموت، لقد أحببت”، يعيش العاشق إلى آخر لحظة في حياته بأنفاس الحبّ.

من يحبّ حقا سيفهم أنّ الحياة لا تساوي سوى لحظة حبّ وأنّ لحظة حبّ أكبر من حياة من غير حبّ..

إننا نولد من جديد في لحظات الحبّ، نتجاوز الماضي والمستقبل ونكتفي بالحاضر زمنا لنغرق في بحر الحبّ، فحالة الحبّ هي حالة خلق متجددة، نبتكر فيها أشكالا مختلفة لكينونتنا..

أنا أحيا بحياة الآخر، أفرح بفرحه وأسعد بسعادته، أحزن لحزنه وأموت بموته، من يحبّ فعلا يقدر بسهولة على اختصار المسافات، ولن يتذرع بالأسباب والصعوبات، الحبّ نضال ضدّ الحياة من أجل الحياة نفسها.

يمكننا الاستشهاد بمئات قصص العشق، ولكن هل يمكن من خلال سردها، أن نصل إلى نتيجة لسؤالنا: لماذا عاش كلّ هؤلاء تجربة الحبّ بينما لم يعشها اخرون؟

أو ماذا ينقص بعضكم ليعيشها كما عاشها البعض الآخر؟

ونحن نعاين نهاية عشرات قصص الحبّ بسبب الصعوبات الماديّة والمسافات البعيدة أو بسبب اختلاف الطباع والعادات، هل ينتهي الحبّ إذا تعرّض إلى المصاعب؟

تبدو الإجابة واضحة؛ من يحبّ فعلا سيناضل من أجل بقاء الحبّ الذي يعني بقاءه على قيد الحياة، فمن يفقد الحبّ يفقد الرغبة في الحياة ويواصلها على مضض دون روح أو شغف..

ومن يقتل الحبّ مجرم قاتل، فالحبّ حياة وعطاء ولحظة استرداد للمعاني المفقودة..

إنّه مغناطيس نحو  الحالة الأقصى توهجا، حتى وإن تطلب الوصول إليها المخاطرة بالنفس.

يستعيد العاشق الحياة في لحظة العشق، الشغف والألق، فيصبح تفصيلا غير ذي قيمة، لا يمكن أن ينتبه له شخص آخر لم يعش لحظة الحبّ..

إنّ الحبّ شيء مربك يربكنا تجاه الأشياء، فنتحول إلى كائنات ذات هشاشة بالغة، تؤثر فينا أغنية لا نفهم كلماتها، أو قصيدة قديمة أو دمعة طفل، إنّ الهشاشة التي يحررها الحبّ تعيدنا إلى إنسانيتنا  المسحوقة في مجتمعات السيولة.

لحظة الحب هي لحظة تحرر من عقال الحياة النمطية إلىي مساحات أخرى شاسعة لا يمكن إدراكها إلا بالحبّ أو المعرفة، بل يمكنني القول هنا إنّ الحبّ هو شكل خفيّ من أشكال المعرفة البدائية التي لا تتطلب سوى إحساسا فائقا بما يحيط بنا وهو ما يمنحه لنا الحبّ..

ومن يدرك الوجه الآخر من الحبّ، أي المعرفة، سيناضل دائما من أجل تجديد وابتكار حالات أخرى في الحبّ، ليضمن تواصله..

ونختتم بقولة رامبو “إنّ على الحبّ أن يبتكر دائما من جديد”..

من الصعب جدّا أن نجد تفسيرا كافيا لماهيّة الحبّ، ربّما نعتبر تعريفه كحالة قصوى من الانجذاب العاطفي والجسدي شكلا من أشكال الإجحاف، فهو حالة نفسية ووجدانية يصعب علينا إدراك ماهيتها إلا بخوض تجربة الحبّ.