نساء في الحجر.. عن "دفء" العائلة اللاذع

بقلم : رغد أبو ليل


من موقع : << متراس >>


2020-05-06

نشر هذا المقال في موقع متراس

 

كثرت في الشهرين الأخيرين التسجيلاتُ الصوتيّة والفيديوهات والـmemes عن ومن نساء يشتكين من الحجر المنزليّ. انتشرت، مثلاً، صورةٌ لامرأةٍ تصنع حبل مشنقةٍ كتبت عليه: "بعد أسبوع من الحجر، عم بعمَل شال لزوجي". وتسجيلات صوتية أخرى لامرأة تسأل زميلاتها في العمل، عن أقرب فرع للشرطة عليها، لتتحرك باتجاهه فيقومون بسجنها تطبيقاً لقوانين فرض التجوّل لأنها سئمت من البيت والأولاد وزوجها. 

لكنّ أثر الحجر المنزليّ على النساء لا يُنتج مزاحاً ومواد ساخرةً ومُضحكةً فحسب، إنما هو واقعٌ يؤثّر على النساء بشكلٍ خاصٍّ ومختلف، بل ويشكّل أذىً لنساء كثيرات يرتبط قمعهن بالمكان الذي يُحجرن فيه والأشخاص الذين يُحجرون معهم. وهذا قوسٌ ممتدٌ بين التفاصيل الصغيرة وتراكم الأعباء أو القيود التي اعتدنا وقوعها على المرأة، وبين حالات من التعنيف والقسوة التي تعيشها نساء في هذه الظروف.

من خلال العلاقة مع البيت، كوّنت النساء آلياتٍ مختلفة للتكيّف مع ظروفهن، بل والاعتياد على الظلم. كان الزوج والأبناء يذهبون إلى أعمالهم وتعليمهم بشكلٍ شبه يوميّ فيخفّ العبء لبضع ساعات. أخريات كنّ يذهبن إلى العمل أو يلتقين بأصدقائهنّ ليؤخّرن العودة إلى البيت أو يتخذن راحةً قصيرة الأمد. والأهم، كان الخروج من البيت، أو خروج الرجال من البيت، يعطي النساء اللواتي يتعرّضن للعنف ساعات يغيب فيها خطرُ المعنّف. ساعات راحةٍ تستطيع فيها النساء أن تكلّم بعضها، تزور بعضها، أو حتّى أن تتصل بخط طوارئ للنساء المعنّفات. كان ذلك قبل أيّام الحجر و"كورونا".

 

 

عندما ثبت أن "البيت مش أوتيل!"

 

 

أثناء جلوسي على شرفة المنزل مع أمّي خلال هذه الفترة، قرأت الأحجية التالية عن شاشة هاتفها: "كل الوظائف عطّلت عملها أو خفّفته، ما عدا وظيفة واحدة زادت واجباتها، شو هي؟"، غير مكترثة بإيجاد الإجابة أجبتُ بطريقة تلقائيّة: "مين؟"، فأكملت أُمي: "وظيفة الأمهات". أمي التي ألقت هذه الأحجية مع شعور بالانتصار، تذكرنا يوميّاً بامتنانها للحجر المنزلي الذي عنى جلوسنا معها طوال اليوم وتأنيسها.

مع هذا، فإن الفروض التي باتت "واجباً" على الأمّ وجزءاً من "وظيفتها الاجتماعيّة" تتضاعف على النساء عموماً والأمهات خصوصاً في هذا الظرف. الجميع في البيت، والمطاعم (التي يُمكن لأمّهاتنا أن تصدّر أفراد العائلة إليها) مغلقة. تتزايد الأعمال المنزليّة، من ترتيب وتنظيف وطهي. إن لم تكن الأم "محظوظة" وتحظى "بامتياز" زوج وأبناء يتعاونون ويتقاسمون التعب والعمل، فإن حملاً إضافياً هائلاً يقع عليها.

 

لوحة لحنين نزّال. المصدر: فيسبوك.

وبينما وجدت بعضُ النساء بالحجر فرصةً عظيمةً للتعرّف أكثر على أفراد العائلة والتناغم معهم، أو على الأقلّ قضاء وقت مريح دون الالتفات لسرعة الحياة وضغوطاتها، فإنّ نساء أخريات، وجدن واقعاً مغايراً. بالنسبة للمجموعة الثانية، كان الخروج إلى العمل يوفّر لهن مساحةً من الخصوصية وإمكانية للمحافظة على علاقةٍ هادئةٍ مع أفراد العائلة. 

تقول سعاد (24 عاماً)، وهي فتاة تعيش مع أهلها وتوقّف عملها بسبب الأوضاع الصحيّة الحاليّة: "كنت أخرج كلّ صباح من المنزل إلى العمل، ومن ثم ألتقي ببعض الأصدقاء قبل أن أعود إلى المنزل متعبةً من يومي الطويل، أتناول طعام الغذاء ومن ثم أشارك العائلة في بعض الأحيان جلستهم قبل أن أذهب وأنعزل في غرفتي بحجّة التعب".

كان النظام اليوميّ الذي اعتادت عليه سعاد يساعدها في الحفاظ على توازنها. أمّا الآن، فهي تجد صعوبة في احتمال تواجدها الدائم مع جميع أفراد العائلة في نفس الحيّز. مثلاً، جعل الحجرُ المنزليّ تحكمَ سعاد ببرنامجها اليوميّ ومنع تعارضه مع برنامج عائلتها مهمةً شبه مستحيلة، تقول: "يوميّاً قبل الذهاب إلى النوم، أسجّل مجموعة من المهام المنوي إنجازها خلال اليوم التالي. لكني اضطر في النهاية إلى تأجيلها لليوم الذي يليه".  

 

صعوبة الحديث مع "الأصدقاء"

 

عنى الحجر المنزلي لأخريات تَركَ مكان سكنهن شبه الدائم الذي استقلّينَ فيه لغرض التعليم أو العمل، والعودة إلى منزل العائلة. حنين (19 عاماً)، طالبة في جامعة بيرزيت تسكن بعيداً عن أهلها، وتوضّح بأن العودة إلى بيت العائلة كانت تعني بالنسبة لها قدرة أقلّ على التحكم في مجريات يومها؛ ظروف البيت بإمكانها في كثير من الأوقات أن تفسد عليها مخططها اليومي.

بالإضافة للتحكم في برنامجها اليوميّ، تصف حنين صعوبة التواصل مع أصدقائها قائلة: "بسبب مساحة البيت الصغيرة، يكون إيجاد مكان في المنزل للحديث مع الأصدقاء والتواصل معهم أصعب، وذلك لحاجتك الدائمة لبقاء صوتك على درجة علو معينة ومجسّاتك تعمل حتّى تتفادى الأسئلة الفضوليّة والزائدة من العائلة عن هوية الشخص الّذي تتكلّم معه". مع هذا، ورغم الضيق النفسيّ والعاطفيّ الذي يتسبب به وضع الحجر، إلا أنّ هذه التفاصيل وعلى أهميّتها، تبقى بسيطةً أمام مآسٍ أشدّ.

 

الخطّ مشغول

 

 

ظهرت الفتاة إيمان الخطيب المقيمة في الأردن في بثٍ مباشر على صفحتها الشخصيّة توضّح فيه تفاصيل العنف الذي تعرّضت له من عائلتها. وتؤكّد أنّها كادت تُقتَل قبل أن يطردها أخوها من البيت لتجلب الأموال له ولعائلته. أثناء حديثها قالت إيمان مستنجدةً الجميع: "حدا يعبرني من شان الله، الشرطة بروح بشتكيلهم بحكيلهم أنا حياتي معرّضة للخطر، بحكولي احنا بأزمة كورونا!". تتابع الخطيب: "أنا اليوم كان رح يتكسر وجهي، أنا اليوم كنت رح انقتل.. ولمّا لجأت للشرطة ما قدرت أوصللهم يعطيهم العافية مشغولين بقصة الكورونا كانت كل الخطوط busy". على هذا المقطع أن يكون صافرة إنذار للمجتمع، فالبقاء في البيت بالنسبة لبعض الناس يعني التواجد مع معنّفهم طوال اليوم والّذي قد يكون أحد أفراد العائلة. 

 

وفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، عام 2019.

تشير إحصاءات جهاز الإحصاء المركزي للعام 2019 إلى أن 23% من النساء المتزوجات في الضّفة وغزّة تعرضنّ للعنف الجسدي من قبل أزواجهن، وأن 30% من غير المتزوجات تعرّضن للعنف الجسدي على يد أحد أفراد أسرهنّ. هذه النسبة الضخمة لا تشمل آلاف الحالات المسكوت عنها والمكبوتة بفعل الترهيب والأعراف الاجتماعيّة، كما لا تشمل العنف النفسيّ والكلاميّ الذي تعاني منه النساء. يعني ذلك أن الحجر قد يكون جحيماً لبعض النساء اللواتي سيتم حبسهن مع شخص يمارس العنف الجسديّ أو النفسيّ أو حتى الجنسيّ عليهن بصورة دائمة.

 

 وباءٌ يحفّز وباءً

 

يزداد العنف بزيادة الضغط والتوتر من انتشار الوباء. في فلسطين وحدها، سُجّلت 11 حالة قتل للنساء منذ بداية العام 2020، 10 منهن قتلن على يد أحد أفراد عائلتهن، والأخيرة منهنّ تقول الأخبار بأنها قتلت "بالخطأ" إثر حادثة إطلاق نار في مدينة عرعرة بالنقب. خمس نساء من بين هؤلاء قُتِلن بعد إعلان حالة الطوارئ في الضّفة الغربيّة.

وفي السياق ذاته، تُشير العديد من الجهات الإحصائيّة والمؤسسات المجتمعيّة إلى ارتفاع نسب العنف الأسريّ في فترة الحجر المنزليّ لدرجة أصبحت فيها الملاجئ الّتي تأوي النساء المعنَّفات على وشك الامتلاء. تقول مديرة جمعية "نساء ضد العنف"، نائلة عوّاد، في إحدى المقابلات: "نحن نتحدث عن طنجرة ضغط الي ممكن تنفجر في كل لحظة، نحن نلحظ بأنه هناك زيادة في عدد التوجهات للجمعية".

وفي جمعية "السّوار"، قالت إحدى المتطوعات في الردّ على مكالمات الخطّ الساخن إنّ هناك ارتفاعاً واضحاً في عدد الاتصالات التي يتلقاها الخطّ من نساء يتعرضن للتعنيف. ولأنّ النساء قد يجدن صعوبةً في إجراء مكالمات هاتفيّة في ظلّ التواجد الدائم لمُعنفهنّ في المنزل، لجأت بعض الجمعيات إلى فتح باب تلقى الشكاوى وطلب المساعدة عبر "فيسبوك" و"واتساب".

لا يقتصر أثر الحجر المنزليّ على النساء اللواتي يتعرّضن للتعنيف من قبل أحد أفراد أسرهن، بل يمتد ليطال جميع النساء على اختلاف ظروف حياتهن؛ من مهامٍ إضافيّة ومرهقة أو تضييقٍ على قدرتهن على الحفاظ على تواصلهن مع من حولهن إلى قتلهن على يد معنفهنّ الّذي حُبِسنّ معه في البيت. ولهذا، وفي هذه الظروف بالذات، تزداد الحاجة للالتفات للنساء في كل أماكن تواجدهن، وذلك لحمايتهن من أي عنف أو اضطهاد قد يوجه نحوهن استغلالاً للوضع الصحي الراهن وانشغال الناس بحماية أنفسهن وأحبائهنّ من خطر الفيروس.