التربية الجنسية لأطفالنا من ذوي التحدّيات الخاصّة حق أساسي وضروري

بقلم : منتدى الجنسانية



2020-12-03

يعيش أهالي الأشخاص ذوي الإعاقات تجربة والديّةً خاصّةً ومركّبةً تبدأ مع ولادة طفل مع إعاقة عقليّة أو لحظة اكتشاف إعاقته. يدرك الأهل في تلك اللحظة أنّهم أمام خوض تجربةٍ مغايِرةٍ مليئة بالتحدّيات. فإلى جانب ما تحملهُ المسألةُ من ثمنٍ نفسيّ وشعوريّ كبير، يصل الأهل إلى اقتناع بأنّ ما عرفوه من طرق تربويّة وما اعتادوا عليه من أنماطٍ والديّةٍ قد لا يتلاءم مع حاجات أطفالهم من ذوي الإعاقة العقليّة والتطوّريّة. وبالتالي يشعرون بالحاجة إلى تبنّي وتعلُّم أنماط والديّة جديدة ومهارات مغايرة، آملين أن يتطوّر أولادهم على النحو الأمثل وأن يحقّقوا ما لديهم من إمكانيّات وقدرات دفينة.

 

حقائق حول التعامل مع أطفالنا من ذوي الإعاقة

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ الإرشاد والتعليم والتوعية مهمّة ليس فقط لحماية الأطفال من خطر الاعتداءات والاستغلال فحسْب، وإنّما كذلك لتحسين جودة حياتهم وتحقيق سعادتهم، ولذلك من الضروري التأكيد على أهمية التربية الجنسية لأطفالنا من ذوي الإعاقة، وتجاوز الشعور بالتوتر والقلق والحرج حين نتحدث مع أولادنا وبناتنا بمواضيع لها علاقة بالنضوج الجسديّ والسلوك الجنسيّ والعلاقات العاطفيّة والحميميّة، إذا كان لدينا أي خوف من أن يكون أولادنا عرضةً للاستغلال الجنسيّ، فأننا عندما نعلّم أبناءنا عن الجنس والعلاقات الشخصيّة نساعد في تهيئتهم وحمايتهم من التعرّض لكثير من الأذى والاعتداءات.

تشير الإحصائيّات إلى أن قرابة 83% من النساء وَ 32% من الرجال من ذوي الإعاقات التطوُّريّة يقعون ضحيّة للاعتداءات الجنسيّة، تفوق نسبة الاعتداءات على الأولاد ذوي الإعاقات بـِ 2.2 مرّة نسبتها بين الأولاد من غير ذوي الإعاقات. في المقابل، نسبة الشكاوى وعقوبات السجن التي تُفرَض على من يعتدون على ذوي الإعاقة ممّن هم دون سنّ الثامنة عشرة لا تزيد عن 3% من مجمل العقوبات على ذات الجرائم ضدّ فئةِ مَن هُمْ بدون إعاقة.

تأتي التربية الجنسية السليمة المتدرّجة هنا لتزيد الوعي وتمنع حدوث الاعتداء، وتعلّم أطفالنا كيف يطلبون المساعدة وأين يضعون ثقتهم\ن أو ينزعونها، حيث يمكننا خلق الوعي المناسب لدى أطفالنا حول طبيعة الاعتداء ومعناه والحدود الشخصية وحدود الملامسة مع الغرباء، جوهر التربية الجَنسانيّة يكمن في الإحساس بالتقدير والاحترام والحبّ والمحبّة والشعور بالأمان، ولا يقتصر على العلاقة الجنسيّة والإباحيّة ضمن المنظور المجتمعيّ الضيّق.

 

 

من أين نبدأ التربية الجنسية لأطفالنا ذوي الإعاقة ودورنا كأهل 

 

في أوّل تعاملاتنا مع صغارنا، نؤثّر على هذه المشاعر من خلال ضمّهم ولمسهم واحتضانهم وتقبيلهم وحملهم والحديث معهم بدفء ولطف والغناء لهم ودغدغتهم وإضحاكهم. هكذا نعبّر لهم عن حبّنا ونُشعرهم بالأمان ونساعدهم على تعزيز ثقتهم بأنفسهم وإحساسهم بأنّهم مهمّون لنا ولمن حولهم. في الوقت نفسه، نبدأ بإيصال المعلومات الأوّليّة، تلك التي تتمحور في المراحل الأولى حول الأعضاء المختلفة وتسمياتها بالأسماء الصحيحة، ومن ثَمّ سُبل التعامل معها ضمن المنظومة القِيَميّة والأخلاقيّة المحيطة. 

 

وهذهِ ست مبادئ أساسية لنبدأ في تربية أطفالنا والحديث معهم فيما يخص جنسانيّتهم\ن:

 

1. ابدأوا التوجيه مبكّرًا بقدر الإمكان، إذ يُجْمِع الخبراء على عدم جدوى الانتظار حتّى بلوغ سنّ المراهقة للبدء في تزويد الفتيان والفتيات بالمعلومات الجنسانيّة. تبدأ التربية الجنسانيّة في الطفولة المبكّرة، حيث يختبر الطفل تعبيرات الحبّ والحميميّة والعناق واللمس والدفء والتعامل الإنسانيّ معه كطفل. البعض ينصح باعتماد قانون السنوات الخمس -أي البدء بتزويد الأطفال بالمعلومات حول التغيُّرات المرتقَبة قبل خمس سنوات من حدوثها.

 

2. العامّ والخاصّ: اشرحوا الفرق بين العامّ والخاصّ من حيث خصوصيّة أعضاء الجسم، ومن حيث المظهر الخارجيّ وطريقة اللباس والسلوكيّات والتصرّفات المسموح بها في الأماكن الخاصّة والأخرى غير الملائمة في الحيّز العامّ. من الضروريّ البدء في العمل على هذه المفاهيم المهمّة في سنّ مبكّرة، وذلك لضمان تزويد الفتاة والفتى إيّاها قبل سنّ البلوغ. على سبيل المثال، إذا شرع ابنكم أو ابنتكم في الحديث عن أمور خاصّة في أماكن عامّة، توجّهوا إليه بلطف واطلبوا منه /منها الانضمام إليكم لإتمام الحديث في مكان أكثر خصوصيّة. سيكون تصرّفكم هذا بمثابة تجربة تعلُّميّة بالنسبة للطفل حول الفرق بين ما يمكن البوح به في الأماكن الخصوصيّة وبين ما يمكن البوح به في الأماكن العامّة.

 

3. التعامل مع الآخرين: اهتمّوا بتعريف وتحديد الأشخاص الذين يُسمح لابنكم أو ابنتكم بالتعامل أو بالحديث معهم حول أمورهم الجنسانيّة الخاصّة - كالطبيب أو المرشد أو أحد الأقرباء الموثوقين في الأسرة المصغّرة - واحرصوا على تحديد الغرباء والآخرين الذين لا يجوز التكلُّم معهم حول هذه الأمور.

 

4. أعضاء الجسم: اهتمّوا بتعليم الأولاد والبنات الأسماء الصحيحة لأعضاء الجسم المختلفة -لا سيّما الجنسيّة-، وتقديم الشرح عن وظيفة وأهمّيّة كلّ منها. استعينوا بفترة الاستحمام للتمييز ما بين الأعضاء الخاصّة والعامّة.

تشير الأبحاث إلى أنّ الأولاد القادرين على تسمية أعضائهم تسمية صحيحة كانوا أكثر قدرة على التبليغ، في حالات تعرُّضهم للمضايقات والتحرُّشات، مقارنة مع الأولاد الذين افتقروا إلى المعرفة بالتسميات والمصطلحات الدقيقة والسليمة.

 

5. تشجيع الاستقلاليّة: من المحبَّذ إكساب الأولاد المهارات اللازمة للاستقلاليّة والاعتناء بأنفسهم في الحمّام والمراحيض في سنّ مبكّرة قدر الإمكان.

عندما يحتاج ابنك/ابنتك إلى مساعدة، ضع يدك على يده/ا وساعِدْهُ/ا في أداء المهمّة المطلوبة، واشرح له/ا عن أهمّيّة الاعتناء بنفسه/ا لتقليل عدد الغرباء في حياته/ا الشخصيّة قدر الإمكان. تأكّد من تعلُّمه وقدرته على إقفال وفتح الأبواب واستعمال المراحيض العامّة بأمان. ذات الأمر ينطبق على البنات، إذ من الضروريّ تقديم الإرشادات الواضحة والمبسّطة والمباشرة في كيفيّة الحفاظ على النظافة الشخصيّة بعد استخدام المرحاض، وتنظيف الأعضاء الجنسيّة من الأمام إلى الخلف منعًا لحدوث التهابات في مجاري البول.

 

6. اللمس: الأطفال ذوو الإعاقات معرَّضون أكثر من الأطفال الذين بدون إعاقات للمس الغرباء لأجسادهم، أحيانًا بسبب المتطلّبات العلاجيّة كالفحص الطبّيّ من قِبل الأطبّاء والمعالِجين والمرشدين. من الضروريّ تزويد الأولاد والبنات بالمهارات اللازمة لتمكينهم من التمييز بين اللمسة المهنيّة والأخرى غير المهنيّة.

اشرحوا لهم أنّ جسد كلّ منهم ملْك له ويحقّ له هو وحده السماح بلمسه لمن يشاء، وله الحقّ كذلك أن يرفض السماح للغير باللمس.

كن قدوة في تصرّفاتك واحترامك لحدود وخصوصيّات الأشخاص حولك، مثل قرع الباب قبل الدخول، وإعطاء المساحات الخاصّة حقّها في الحمّام وغرف النوم، وتغطية الأجساد بعد الاستحمام وعند الخروج من غرف النوم.

من المفضّل استخدام مصطلحات "اللمسة المريحة" وَ "اللمسة غير المريحة" بدلًا من "لمسة جيّدة" وأخرى "سيّئة"، وذلك لتجنيب الطفل زيادة إحساسه بالذنْب حين يقوم بلمس جسمه أو أعضائه الجنسيّة.

قد يحتاج الفِتْيان والفتيات الذين يعيشون مع إعاقات إلى أساليب خاصّة ومغايِرة للتعلّم عن جنسانيّتهم ومشاعرهم وميولهم، وعن التغيُّرات التي تحصل لهم خلال مراحل البلوغ. وهنا نؤكّد على حقّ ذوي الإعاقات العقليّة والتطوُّريّة أن يُعبِّروا وأن يستكشفوا جَنسانيّتهم بالطريقة الملائمة، وفي حالة الحاجة إلى مساعدة فيما يخص مسألة بعينها قد تشعرون أنكم\ن كأهل غير قادرين على التعامل معها، لا تتردوا في طلب المساعدة من المختصين\ات أو تحدثوا إلى الطبيب\ة المتابع\ة لصحة أطفالكم\ن.