#حكايات تشبهنا: الحكاية الثانية: سما



2021-02-22

الحكاية الثانية: سما

 

 

 

ذكريات الطفولة أعمق كثيراً من أن ندعوها ذكريات… ذكريات الطفولة كانت الخطوات الأولى التي شكلت شخصياتنا ... كل ما رأيناه ووضع بصمته فينا لتبقى في كبرنا. الطفولة كانت بداية الضحكات والدموع وكل ما بينهم من مشاعر... لذلك فإن سفر العائلة لدولة أخرى والأطفال في عمر صغيرة قد يفتح أبواب الرزق من ناحية ولكنه ربما يفتح تأثيراً مؤلماً من الناحية الأخرى.

 

 

تلك كانت ذكريات طفولتي… أنا سما، الأخت الكبرى لستة أخوات ولدينا شقيق يكبرنا جميعاً. أهلي موظفين جامعيين، كحال الجميع في الثمانينات سافروا للخليج ليحققوا استقراراً مادياً يعينهم على الحياة. السفر للخليج أثر في بشكل شخصي، كانت تربيتي تتم بشكل صعب ومؤذي، يمحي الشخصية، طول الوقت "عيب… حرام." نشأت لا أتكلم تقريباً، معارفي قليلين للغاية وعلاقاتي الإنسانية مختصرة في الأقارب، حتى عندما كنت أجلس إليهم لا أجد ما أقوله.

 

 

 

طفولتنا اقتصرت على المدرسة والبيت، ويوم الخميس كنا نجلس لمشاهدة فيلم سينمائي يختاره أبي بنفسه… كانت تلك هي قمة صور الترفيه المتاحة. هذه التربية التي تجعلك معتاداً على الوحدة كانت سبباً للعديد من المشاكل بعد عودتي لمصر. أنا من محافظة خارج القاهرة، ولكن جامعتي كانت في القاهرة… لم أكن أعرف أمشي في شوارعها، كنت أنظر لقدمي لدرجة أني أشعر أني سأتعثر وأقع.

 

 

علاقتي مع أبي كانت أفضل بكثير من علاقتي مع أمي. أمي كانت لديها قائمة لا تنتهي من المحاذير… طوال الوقت محاذير… خافت جداً حينما تم قبولي بكلية في القاهرة. قالت لي "بلاش"... "هتوهي"... و القاهرة زحام، كيف ستتعاملين مع القطار؟ وكيف ستأكلين؟ نقلت لي الكثير من المخاوف والمحاذير التي أثرت على نفسيتي. أما أبي فقد كان سعيداً جداً أن الكلية في القاهرة. كان متفتح ومتأكد من أني سأعتاد على الناس سريعاً وسأكون متفوقة على الرغم من إختلاف نظام التعليم. كلام أبي كان دفعة للأمام، جعلتني أنجح في أن أكون أول دفعتي في الفصل الدراسي الأول.

 

 

علاقتي بأمي كانت صعبة، هي امرأة تقليدية لا تعرف شيئاً عن المغامرة. كل ما كانت تعرفه هو أن الفتاة تكبر لتدخل الجامعة أياً كانت وتتزوج في النهاية. هناك شيئاً أذكره دائماً لها، كانت جدتي السبب في ختانها "تشويه العضو التناسلي"، ودخلت للمستشفى بسبب تلوث الجرح، وصارت لديها عقدة من ذلك. وقفت أمي أمام جدتي حينما أخبرتها أننا كبرنا ويجب ختاننا وإن لم يحدث ذلك ستقطع جدتي علاقتها بنا. أمي رفضت وقالت أنها لن تجعلنا نمر بمثل تجربتها.

بخلاف ذلك أمي انطوائية وعلاقاتها وكلامها قليل، قد أورثتني ذلك بشكل أو بأخر. حتى الآن حوارنا عادياً بلا ود أو عاطفة. هات وخد. وكثيراً ما أخاف أن ترث إبنتي ذلك وأكون معها كأمي بدون وعي مني.

الحب في حياتي بدأ مع الجامعة، بعد ثلاثة أشهر في القاهرة كنت أفعل كل شيء وحدي، اعتمدت على نفسي… كنت أركب التاكسي والقطار وحدي، تركت المنزل وأقمت في المدينة الجامعية مع بنات من كل مكان في الجمهورية، من الصعيد وبحري وبورسعيد والسويس… الانطواء انتهى للأبد.

 

 

ظهر في الكلية زميل لي، أعُجبت به في البداية وودت التقرب منه ولكني لم أكن أعرف كيف. عندما كنا نذهب للرسم خارج الكلية في المتاحف أو الأماكن الخارجية كنت أنضم لمجموعته حتى أراه ونتكلم. بعدها بفترة صرح لي بحبه وأنه يريد الزواج مني ولابد أن نتعرف أكثر، بالرغم من أنه كان مازال لدينا سنين في الكلية ولكننا اتفقنا.

بقيت في هذه العلاقة بعد الكلية بفترة طويلة جداً… تقريباً أربعة عشر عاماً! كل ذلك الوقت لأنه لم يكن يملك المال الكافي… طلب مني أن انتظره ووعدته، وبدأت أتعرض للكثير من المشكلات في البيت بسبب طول الانتظار وعدم حدوث أي تقدم في الموضوع.

بالبداية كنت مستقلة ولا اخضع لسيطرته وكان يحبني ويصغي إليا. بدأ بعد ذلك محاولة السيطرة أكثر ونجح… لا ترتدي ذلك، لا تفعلي ذلك… بعد فترة بدأت اتنازل وأسمع لما يقول. لم أكن محجبة عندما جئت من السعودية، كنت الوحيدة بين شقيقاتي التي لم ترتدي حجاب. في آخر سنة في الكلية أجبرني على الحجاب وأخبرني أنه لن يكمل معي بدون أن أرتديه. بدأ يسيطر على تصرفاتي لدرجة أن زميل لي كان معجباً بي وجلس بجانبي، عندما رآنا قال لي اذهبي وتشاجري معه وقولي له أنت لا تعرفني بأي حق تجلس بجانبي… وانسقت وراء كلامه وأوامره وذهبت وتشاجرت مع ذلك الزميل رغم أنه لم يفعل لي شيئاً.

تنازلت عن حقوق كثيرة لأرضيه ولتتم الخطبة، وبعد ١٣ عاماً تقريباً تمت خطبتنا. بقينا مخطوبين ستة أشهر لم نتوقف فيها عن الشجار، ولم أكن طوال تلك الفترة سوى رد فعل لتصرفاته ومشاكله.   في  إحدى المرات اعترف لي بأنه خانني بإقامة علاقة جنسية كاملة مع امرأة أخرى، ولكنه وعدني بأنها المرة الأولى والأخيرة ولن تتكرر مرة أخرى وأنا صدقت الوعد. صدقته  على الرغم  من عدم اقتناعي بوعوده … أقنعت نفسي بأنه سيتغير ويتعدل حاله بعد الزواج وأنه لن يكرر هذا الفعل  مرة أخري. لم يقنعني أحد بذلك، أنا اخترت أن أقنع نفسي به.

وانتهت العلاقة على أهون سبب، خالفت أوامره بعدم الرد على مكالمات شقيقته لخلافه معها، فقال لي في مكالمة هاتفية "لو مسمعتيش الكلام ، فيه غيرك يسمعه."، وجاء ردي له "اتفضل روح لهم". أغلقت الهاتف في وجهه، وحتى اليوم لا أعرف عنه شيئاً، وأقاوم أن أعرف عنه شيئاً.

بقيت في العلاج النفسي ستة أشهر، كانت صدمة كبيرة جداً. في هذا الوقت كانت لي صديقة لطيفة تسأل عن أحوالي من وقت لأخر، قالت لي أن هناك مركز ثقافي جديد، ما رأيك أن نقيم معرضاً؟ كنت أرسم لوحات بالكلية وأقيم معارض، ذهبت للمركز وبدأت في تكوين علاقات من البداية. مدير المركز كان طبيباً نفسياً، أخبرته أني اراجع طبيباً نفسياً فقال لي لا تأخذي أدوية وطلب مني العمل في إدارة المركز معه، واكتشفت أنه صديق لأخي وقام بطلب يدي فوراً، وهو الآن زوجي الحالي.

 

 

اليوم أفكر أني كنت بحاجة لفترة أطول من ستة أشهر في العلاج النفسي… حياتي مع زوجي صعبة جداً ولا يوجد أي سبيل للراحة. طوال الوقت يرى أنه مُلم بمعرفة كل شيء وأنا لا، ويحتقر الفن ويعتبر الرسم نوع من الجهل، ويتصرف بعدم مسؤولية تجاه ابنته وبالطبع تجاهي أيضاً. واجهت الكثير من المشاكل وكنت أحلها وحدي، طلبت الانفصال والآن أحاول الخروج من ذلك الارتباط بأقل الخسائر من أجل ابنتي. 

حاولت أيضاً أن أكتب قصص خلال الستة أشهر، ورسمت كثيراً، دخلت مجال حقوق المرأة وعملت في مراكز كثيرة وبدأت أتعرف وأفهم الكثير من الأشياء التي لم أكن أفهمها. تعاملت مع الكثير وأصبح لي معارف في مصر وخارجها… أحياناً أشعر أن الانطواء موجود بداخلي ولكني أقاومه قدر استطاعتي.

تعلمت أن لا أتنازل عن حقي بسهولة، لن اتصالح بناء على كلام بدون أفعال. الزواج ليس علاقة خدمات متبادلة، هناك مسؤولية عن البيت وأولويات للمصاريف… السجائر وسهرات القهوة ليست على رأس القائمة بالتأكيد. لقد أصبحت قوية أكثر في هذه العلاقة، لا يوجد أحد يغير من حياته بأكملها من أجل شخص… إننا بشر وأحرار في النهاية. 

العلاقة التي أحلم بها، هي تلك التي لا أشعر فيها بالوقت مع شريكي. نقضي معاً أوقاتاً لطيفة، نستمتع بها ونقوم بأنشطة مشتركة… نمشي سوياً، نذهب لحفلة في الأوبرا، نقوم بزيارة للمتحف… نتقاسم التفاصيل سوياً ولدينا ما نقوله لبعضنا.

 

 

أنا متعلقة بابنتي عاطفياً، لا أعرف ما الذي سأفعله إن وجدت ذلك الشخص، لكني لا أفكر حالياً إن كان موجودا أم لا. المهم أن أحب نفسي كما هي، وأعمل في المجال الذي أحبه. عملي في مركز لحقوق المرأة احتواني ووجدته مهماً وداعمًا لسلامي النفسي.  

 

اتصارع في الكثير من الأحيان مع أفكار الوحدة. هل ستنتهي أم سيظل هذا الشعور ملازماً لي للأبد؟ العلاقات لا تحدث بين ليلة وضحاها، والرجل المصري صعب الطباع ومرهق جداً… الجنسيات العربية الأخرى ممكن. أنا أعرف أني اكتسبت طباعاً صعبة وأصبحت شرسة وغاضبة وعنيفة، ولكني أشعر بأنني قادرة على مواجهة أي موقف أو إيذاء و إساءة من أي نوع.

 

 

على الرغم من أن أمي أضاعت فرصتي في التعيين في الكلية، وقالت "كفايه سفر لحد كده." وتلتها بإضاعة حلمي في دراسة نقد سينمائي لأنه بحسب كلامها "معندناش بنات تدرس سينما وتتأخر بالليل." … وعلى الرغم من ضياع كل تلك الفرص،  لا زلت أحمل حلمي بالالتحاق بالمعهد في القاهرة، ولازلت مغامِرة ومستعدة للقفز ولخوض التجارب الجديدة وأؤمن بأني سأنجح  بها و "ربنا بيسترها معايا."

 

في السنين القادمة أرى نفسي أعمل في وظيفة أحبها وأكون مستقلة اقتصادياً وبإمكاني الإنفاق على ابنتي ودراستها وحدي.

 

لابد أن أستقر مادياً ونفسياً لكي أصبح جاهزة ومهيأة للخوض بعلاقة حقيقية. أنا راضية عن نفسي أني أخذت قرار في علاقة سامة وكنت قوية حتى عندما لم يكن هناك أحد بجانبي استند عليه. سأربي إبنتي على ذلك. الاستقلال المادي مهم، وهو يمنح الاستقلال النفسي ويدعم في القرارات الصحيحة في الوقت الصحيح.