لماذا نجازف بتبادل المحتوى الجنسي رغم المخاطر المحتملة؟

بقلم : مي الحسيني



2022-07-04

يدفع تبادل المحتوى الجنسي عبر الهواتف أو الحواسب بمؤشر الإثارة الجنسية إلى أعلى مستوياته، ويحفز إفراز هرمون السعادة، الدوبامين، إذ يخلق حالة وسطية ما بين مشاهدة الإباحية وممارسة الجنس مع شريك/ة في الواقع. المحادثات الجنسية في حقيقة الأمر، أشبه بمحتوى جنسي مثير مصنوع لك خصيصاً، وفقاً لرغباتك وتفضيلاتك، تكمله/ينه بخيالك وقدرتك على الذوبان فيه. ربما يكون هذا السبب المباشر أو الواعي للاستمتاع بتبادل الرسائل والمقاطع الجنسية وجاذبيته، إلا أن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي تزيد من جاذبيته لدى الكثيرين، خاصة الشباب البالغين، رغم المخاطر المحتملة له.

 

تشير الدراسات العلمية التي استهدفت تحديد مدى شيوع تبادل المحتوى الجنسي، أو ما يعرف بالإنجليزية بالـSexting، بين الشباب البالغين إلى كونها ممارسة شائعة واعتيادية لدى قطاع كبير منهم. في بحث نشر في الدورية العلمية الرسمية للأكاديمية الدولية للأبحاث الجنسية في فبراير 2020، أشارت النتائج الأولية لنحو 50 دراسة أجريت على عينة مكونة من 18 ألف و122 شاب وفتاة في عمر 18 إلى 29 عاماَ إلى أن: 38.3% من الشباب في هذا العمر يرسلون محتوى جنسي لغيرهم، و41.5% يستقبلونه، ويتبادل 47.7% منهم إرساله واستقباله مع الطرف الآخر. يشير ذلك إلى كونها ممارسة جنسية واسعة الانتشار بين الشباب، لا سيما بعد إجراءات التباعد الاجتماعي في أعقاب انتشار جائحة كوفيد19، والتي ارتبطت بارتفاع ملحوظ في استخدام تطبيقات المحادثة المرئية والمسموعة وتطبيقات التواصل الاجتماعي، كبديل للقاء وجهاً لوجه في كافة المجالات والسياقات الاجتماعية. كذلك، أشارت عدد من الدراسات العلمية التي أجريت عام 2021 إلى أن تبادل المحتوى الجنسي كان أحد وسائل التكيف مع الواقع الجديد في ظل العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي.

 

لعل أكثر الأمور إثارة للاهتمام اتساع شيوع تبادل المحادثات والصور والمقاطع الجنسية رغم المخاطر المحتملة لذلك من ابتزاز وتشهير والعواقب المترتبة عليهما، والتي لم تعد تخفى على الجميع حالياً، خاصة مع التغطية المكثفة لعدد من حوادث الانتحار بسبب الابتزاز بالمحتوى الجنسي بين الفتيات في عمر المراهقة. وفقاً للنسخة الإليكترونية العربية من صحيفة الإندبندنت، أظهرت الإحصاءات التحليلية الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة الفلسطينية، أن عام 2019 شهد في نصفه الأول 17 حالة انتحار من بينها أربع لأشخاص تقل أعمارهم عن 18 سنة. وكان الابتزاز سبباً في انتحار 4% من الحالات المسجلة عام 2018، الذي شهد 25 حالة انتحار في الضفة الغربية.

 

حالات الابتزاز بالمحتوى الجنسي، أو الانتحار بسببه، لا تحدث في فلسطين فقط، وإنما في العالم كله، بما في ذلك البلدان العربية. على الرغم من ذلك، لم يثني ذلك ما يقرب من 50% من الشباب عن الممارسة وربما نسبة إضافية لا يستهان بها من البالغين عن تبادل المحتوى الجنسي يومياً في كل مكان.

 

ما الذي يدفعنا إذاً لتبادل المحتوى الجنسي رغم المخاطر؟ هل نكون فقط مدفوعين فقط بالإثارة الشديدة والمتعة التي نشعر بها خلالها؟ ربما تكون المتعة هي إحدى النتائج المنشودة من المحادثات الجنسية وتبادل الصور والمقاطع الجنسية مع الشريك/ة، إلا أن الدوافع التي تحرك الأفراد وتُرجح اختيار الممارسة على حساب الامتناع خوفاً من أي عواقب سلبية محتملة، متنوعة، ولا تتعلق دوماً بالرغبة في ممارسة الجنس.

 

يشير الباحثون في مجالي علم النفس والاجتماع إلى أن هناك 5 دوافع أساسية للمراسلات الجنسية، هي:

1. الشعور بالجاذبية والقبول: لدى الطرف الآخر، خاصة في جيل المراهقة والشباب حينما يتعلق الشعور بالجاذبية برؤية الطرف الآخر لنا. الرغبة في الشعور بالجاذبية قد تدفع الفرد لإرسال صور عارية أو ذات طابع جنسي لجذب انتباه الطرف الآخر والحصول على إعجابه. كذلك، يرتبط استقبال المراسلات الجنسية من الشريك/ة بالشعور بالثقة بالنفس نتيجة رغبة الطرف الآخر في الاشتراك في ممارسة جنسية مع المتلقي.

 

2. الاستكشاف والاختبار: خاصة في جيل المراهقة، وكذلك لدى البالغين في بدايات العلاقات. فهي ممارسة تسمح بالتعبير عن الرغبات الجنسية عن بعد أولاً قبل ممارسة الجنس. وهي توفر كذلك عدد من الميزات الأخرى مثل تخفيف حدة الخجل لدى البعض، والتعرف على التفضيلات الجنسية للطرف الآخر وبناء التواصل الجنسي معه. هي أيضاً ممارسة جنسية آمنة من الإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً، والحمل غير المرغوب فيه لذا، فهي تشكل بديلا جيدا لممارسة الجنس في العلاقات غير الحصرية.

 

3. التوافق مع التوقعات: وهو سبب آخر وثيق الصلة بمرحلة المراهقة، حيث يبلغ ضغط الأقران أشده. في بعض الأحيان، يشارك العديد من الشركاء، المراهقين والبالغين، في المحادثات الجنسية ويوافقون على إرسال واستقبال المحتوى الجنسي للتوافق مع توقعات الشريك/ة منهم وللبرهنة على جنسانيتهم ورغبتهم في الطرف الآخر، والخوف من فقدانه في حال عدم الاستجابة لرغباته. في عمر المراهقة، يكون الانخراط في الأنشطة الجنسية، ومن ضمنها المحادثات الجنسية، أحد الأمور التي ينصب عليها ضغط الأقران لي/لتثبت الفتى/الفتاة أنه/ا تجاوز/ت مرحلة الطفولة وأصبح/ت شاب/ة.

 

4. التباعد الاجتماعي: سواء بسبب كوفيد19 في فترات العزل وصعوبة التنقل من مكان لآخر للقاء الشريك/ة أو بسبب سفره/ا إلى مكان آخر للدراسة، أو العمل أو الهجرة أو غير ذلك.

 

قلق العلاقات العاطفية Relationship Anxiety: ويشير إلى اتسام الفرد المستمر بالقلق تجاه علاقاته العاطفية أو الرومانسية وشعوره بالتوتر إزائها، مما يدفعه إلى أن يصبح متطلباً أو طارداً للطرف الآخر. وفقاً لعلماء النفس، فهذا الدافع هو وثيق الصلة بما يعرف بـ"نمط التعلق" أو Attachment style بالانجليزية، وهو يشير إلى تأثير علاقة الطفل/ة بأبويه على نموه العاطفي وعلاقاته بالآخرين في مراحل لاحقة من حياته. في هذا السياق يمكن تصنيف أنماط التعلق إلى ثلاثة:

  1. التعلق الآمن: ويتطور من استجابة الوالدين الإيجابية لاحتياجات الطفل/ة المادية والنفسية. يؤدي هذا النمط إلى الارتياح لتكوين علاقات صحية بوجه عام مع الآخرين والشعور بالكفاءة لذلك.
  2. التعلق غير الآمن/ الانطوائي: ويتطور من تجاهل الاحتياجات النفسية للطفل/ة وتشجيعه/ا على كبح مشاعره/ا والاستقلال في وقت غير ملائم لعمره/ا. يؤدي هذا النمط إلى الانطواء ومواجهة صعوبات في تكوين علاقات حميمية مع الآخر، إذ يشعر الفرد بعدم الارتياح تجاه القرب من الآخرين.
  3. التعلق القلق/ المضطرب: وينشأ عن نمط غير ثابت في التعامل مع الاحتياجات النفسية ويميل للاستجابة لها بعد زيادة تعلق الطفل/ة أو تطلبه/ا. ويؤدي إلى نمط غير منتظم أو مريح في العلاقات وتغير مفاجيء ومتكرر في الرغبات والارتباط بالآخرين.

 

في هذا السياق، يؤثر نمط التعلق على الدافع النفسي لإرسال المحتوى الجنسي كالتالي:

  1. التعلق الآمن: يؤدي إلى شعور الفرد بالارتياح تجاه الحميمية مع الشركاء الجنسية واختبار ممارسات متنوعة معهم، بما في ذلك المراسلات الجنسية وتبادل المحتوى الجنسي.
  2. التعلق غير الآمن/ الانطوائي: توفر المحادثات الجنسية عن بعد مسافة آمنة بين الشخص الانطوائي والغير، وتشبع رغباته الجنسية دون الحاجة للاقتراب من الغير.
  3. التعلق القلق/المضطرب: ينخرطون في المحادثات الجنسية بحثاً عن القبول التقارب والشعور بالحميمية المفتقدة.

 

في نهاية المطاف، ربما تكون المتعة الجنسية هي حقاً الدافع الرئيسي للمراسلات الجنسية وتبادل المحتوى الجنسي، إلا أن إضافة الدوافع النفسية والاجتماعية السابقة، هو ما يجعلها، لدى الكثيرين، ممارسة جذابة حقاً، رغم المخاطر المحتملة.