مَخاطِر وفُرَص.. صورة الجنس في ألعاب الفيديو

بقلم : محمد عبد المحسن



2022-11-16

يذكر العديد من المراهقين العرب هذه التجربة: تنتظر حين تكون وحدك بالمنزل، تشغل جهاز الكمبيوتر، لتلعب لعبة "جتا" (جراند ثفت أوتو: سان أندرياس- 2004)، لا يكون الهدف الاستمتاع بأجواء اللعبة، ولكن تجربة تفصيلة بعينها فيها.

 

يصطحب اللاعب بطل اللعبة كارل جونسون في موعد غرامي مع صديقته دينيس، وبعد الموعد يقف كارل على أعتاب منزل صديقته التي تسأله: "هل تود احتساء بعض القهوة؟"

 

بعد هذا السؤال يخوض اللاعب، متقمصًا شخصية بطل اللعبة، ممارسة جنسية مصغرة مع دينيس، إذ يمكنه التحكم في الأوضاع الجنسية للثنائي وسرعة حركتهما.

 

عرف المراهقون في مصر هذه اللعبة باسم "عبده الحرامي"، وربما كانت أول نافذة للكثيرين إلى عالم الجنس وممارساته، وبالطبع معلومة وجود هذا المشهد باللعبة ظلت سرًا بين المراهقين، لا يمكن أن يشاركوا بها آباءهم وأمهاتهم.

 

مثل أي نوع من أنواع الفنون والثقافة، نجد ألوان الطيف في ألعاب الفيديو، بداية من التصورات النمطية للجنس والمرأة، ومرورًا بالتصويرات الإشكالية، ووصولًا إلى تصويرات تتسم بالإيجابية واحترام المرأة.

 

قد يخشى الأهالي من الصورة التي يعرفها أبناؤهم وبناتهم عن الجنس في سن يافعة، عن طريق وسيط تفاعلي وطاغِ في عصرنا الحالي. وقد تخشى المجتمعات بأن تؤدي هذه الصور إلى تصرفات مؤذية على أرض الواقع. فإذا كان الفتية والفتيات يتواصلون مع ألعاب الفيديو يوميًا تقريبًا، فهل هناك ما يدعو إلى القلق؟

 

 

تاريخ الجنس في ألعاب الفيديو


 

ربما لم يدرِ المراهقون في العالم العربي أن لعبة "جتا" المنتشرة بينهم تعرضت لمحنة شديدة بسبب المشهد الجنسي الذي ذكرناه.

 

اللعبة الشهيرة والتي ينتظر اللاعبون إصداراتها المتتالية حصلت من هيئة تقييم الألعاب في أمريكا وكندا على تصنيف "للكبار فقط"، وهذا التصنيف يعتبر "قبلة موت" في عالم الألعاب، إذ تمتنع منصات الألعاب الشهيرة مثل سوني بلايستيشن ونينتندو وميكروسوفت إكس بوكس من نشر الألعاب التي تحمل هذا التصنيف على منصاتها، تحسبًا للإساءة إلى سمعتها في صناعة موجهة للأطفال والمراهقين الذين يشرف عليهم الأهالي، وفي العموم تقل مبيعات ألعاب "الكبار فقط" كثيرًا عن غيرها من الألعاب.

 

ولكن زلة "جتا" ليست فريدة من نوعها، فرغم القيود العديدة، يظل الجنس بموضوعاته وأشكاله المختلفة حاضرًا في وسيط الألعاب.

 

ألعاب الفيديو

 

حين أخذت صناعة الألعاب في التشكل في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، كانت المنصات متساهلة في نشر أي لعبة.

 

في عام 1983، صدرت لعبة X-Man الشهيرة على جهاز الأتاري، وفيها يتحكم اللاعب برجل مهمته تجنب مقصات وأسنان وأسماك كابوريا، تظل هذه الأشياء تطارده في متاهة، وحين يتفاداها جميعًا يصل إلى باب وراءه امرأة يمكنه ممارسة الجنس معها كمكافأة.

 

وصدرت في العام نفسه لعبة انتقام كستر Custer’s Revenge والتي يتحكم فيها اللاعب براعي بقر يتفادى الأسهم حتى يصل إلى فتاة من الأمريكيين الأصليين يمكنه اغتصابها.

 

من المثالين السابقين نعرف أن الإشكاليات الجنسانية في ألعاب الفيديو لا تقتصر على ظهور الإباحية كمحتوى موجه للمراهقين، ولكن الألعاب تحتوي أيضًا على صور سلبية للمرأة، إذ قد تظهر كمجرد "شيء" يمكن للرجل الفوز به في حال تجاوزه المصاعب والعقبات.

 

ولكن هذه الصور لم تمر دون نقد، إذ أدانت الجماعات المناصرة للمرأة هذه الألعاب، واعتبرتها تحاكي الاغتصاب، ونددت الجماعات المناصرة لحقوق الأمريكيين الأصليين بالعنصرية الموجهة ضدهم في الألعاب.

 

نجحت هذه الضغوط، وحُظِرَت العديد من هذه الألعاب في المقاطعات والولايات الأمريكية، والأهم أنها حركت دفة النقاش في العقود التالية نحو كيفية تمثيل الجنس والمرأة في وسيط تفاعلي هام منتشر بين المراهقين.

 

لم يَعُد يُنظَر للألعاب على أنها مجرد تسلية لا ضرر منها، لكنها منتجات تتخلل الثقافة العامة، وقد تؤثر على وعي المراهقين، وأثَّر هذا النقاش على تطور الألعاب ونضجها على مر السنين.

 

من الرجعية إلى النضج


 

مرت رحلة التطور البطيئة للتصورات الجنسية في ألعاب الفيديو بالعديد من المحطات.

 

يذكر اللاعبون في التسعينيات لعبة "توم ريدر" أو لصة القبور، التي أظهر فيها صناع اللعبة البطلة بثديين كبيرين بشكل مبالغ فيهما، ما تلقى انتقادات بسبب تشويه صورة المرأة وإظهارها بشكل جنسي، بالإضافة إلى أن الإشارة إلى صورة المرأة بهذه الطريقة يجعل الألعاب موجهة للفتيان والرجال، لا المرأة.

 

أيضًا من الألعاب الشهيرة التي ضمت محتوى جنسيًا كانت الجزء الأول من لعبة "إله الحرب" (2005) وفيها يمارس البطل "كراتوس" الجنس مع "حريم" ينتظرنه بسفينته، ويمكن أن يكرر الممارسة حسب رغبة اللاعب.

 

الانغماس في الألعاب

 

ولكن على مر السنوات بدأ صناع الألعاب يراجعون هذا المحتوى، ويتجهون اتجاهًا تقدميًا متفهمًا للجنس والعلاقات ومراعاة صورة المرأة.

 

في الإصدارات الأخيرة من لعبة "لصة القبور"، أخذت لارا كروفت شكلًا أكثر طبيعية وإنسانية.

 

وفي الجزء الذي صدر في عام 2018 من لعبة "إله الحرب"، تحول البطل "كراتوس" تمامًا، إذ لم يركز صناع اللعبة على كونه محاربًا يمارس الجنس مع النساء، بل نراه الأب الذي يسعى مع ابنه في رحلة لتكريم ذكرى زوجته الراحلة بنشر رمادها على قمة أعلى جبل في العوالم التي تضمها اللعبة.

 

علينا أن نعرف أن هذا التغير جرى بعد سنوات طويلة، ويعود إلى أسباب عدة، منها زيادة الوعي بالتأثير الثقافي للألعاب، ومنها الضغط المجتمعى، وأيضًا الخوف من تقييم "للكبار فقط" الذي يمكن أن يؤثر سلبًا على مبيعات اللعبة، بالإضافة إلى رغبة مطوري الألعاب في ضم عدد أكبر من النساء إلى عالم مستهلكي ألعاب الفيديو.

 

يمكن أن نعتبر أن هذا هو التيار السائد حاليًا، وهو تيار يجعل الألعاب تقدم مضمونًا إيجابيًا للأطفال والمراهقين عن العلاقات والممارسات الجنسية.

 

لكن علينا أن ندرك أن التيار السائد ليس هو التيار الوحيد، فما زال هناك مطورون على دراية بعواقب تصنيف "للكبار فقط"، ويستمرون في صناعة الألعاب ونشرها على منصات غير رسمية تخلو من أي نوع من الرقابة، وكثيرًا ما تحتوي هذه الألعاب على مضامين إشكالية للجنس وصور غير واقعية ومهينة للمرأة.

 

كذلك فما يراه الغرب مضمونًا إيجابيًا أو تقدميًا، ما زالت بعض قطاعات العالم العربي لا تراه بهذه الطريقة، فمؤخرًا مُنعت لعبة ذا لاست أوف أس 2 (آخِرنا - 2020) من البيع في المتاجر العربية، لأنها تضم شخصيات مثلية وعابرة جنسيًا.

 

الغريب أن المنع في البلاد العربية لا يحدث إذا كانت العلاقات في الألعاب غيرية، مهما كانت تمثيلاتها تتضمن عريًا أو إباحية.

 

على سبيل المثال نجد اللاعبين في مجتمع الألعاب العربي يتفاخرون بزيارة الملهى الليلي بلعبتي "جتا: فايس سيتي" و"جتا 5"، وتوجد في الملهى راقصات عاريات الصدر.

 

ويتناقل بعض اللاعبين تجربة زيارة جيرالت، بطل لعبة "ويتشر 3"، لبيوت المتعة ليستأجر عاملات الجنس.

 

تلقي الألعاب في العالم العربي

 

بالطبع توجد أصوات في العالم العربي تعارض هذه المشاهد، ولكن هذه الأصوات لم تتطور أبدًا وتصل إلى حد المنع من البيع أو الإتاحة، كما حدث مع لعبة "ذا لاست أوف أس 2".

 

ربما يشعر بعض الأهالي الذي قرأوا السطور السابقة بالقلق من دخول أفكار جنسية لأطفالهم قبل الأوان، وهذا مفهوم، خاصة في العالم العربي الذي تختلف فيه الأنساق الأخلاقية عن نظيرتها في الغرب، ولكن يمكن للأهالي أن يعتبروا الألعاب فرصة مناسبة للمساهمة في تربية الأطفال، وليست فقط مصدرًا للخطر.

 

يمكن أن تتابع أو تتابعي ما الذي يحب ابنك أو ابنتك لعبه، وتقرأ/ي عن اللعبة أو تشاهد/ي فيديوهات عنها، إذ يمكن أن تتحول تفاصيل اللعبة إلى مصدر للنقاش بينكما، وتكون عاملًا مساعدًا للتواصل مع الأبناء والبنات، وإيصال رسائل التربية السليمة والمناسبة لكم/ن ولهم/ن من خلال النقاش.

 

التقييم العمري.. دليل الأباء والأمهات


 

لم يعد المنع والرقابة حلين فعالين في تربية الأطفال والمراهقين، وإن كان الإشراف على المحتوى الذي يتعرض له أبناؤنا وبناتنا أمرًا ضروريًا، للتأكد من كونه سليمًا وغير مؤذٍ.

 

لذلك على الأهالي معرفة بعض الحقائق عن عالم الألعاب:

 

  • الألعاب مثل الأفلام الأجنبية، يُذكر فيها الفئة العمرية المناسبة التي يمكنها ممارسة اللعبة، ويرجع هذا التصنيف لطبيعة المحتوى المتضمن سواء وجود تمثيل للكحول أو التبغ أو العري أو الشتائم. لذلك من الضروري أن يقرأ الأهالي تفاصيل التصنيف جيدًا والبحث على الإنترنت عن اللعبة.

 

  • وجود أي تمثيل صريح للجنس يعطي الألعاب كما ذكرنا تصنيف "للكبار فقط"، وهو تصنيف تتجنبه شركات الألعاب الكبرى لأنه يعني قتل فرص وجود ألعابهم على المنصات المختلفة.

 

  • توفر أيضًا كل منصات الألعاب المعاصرة ما يسمى بأنظمة "الرقابة الأبوية" والتي تسمح للآباء والأمهات بغلق ألعاب معينة وعدم السماح للأطفال بلعبها، وإرسال إشعارات لهواتفهم في حال تجاوز تلك الأقفال، وتنبيههم بأي لعبة يلعبها أطفالهم لحظة تشغيلها، والسماح لهم بغلقها، أو السماح بلعبها في أوقات معينة.

 

  • مع ذلك على الآباء والأمهات أيضًا معرفة أن هناك مواقع عديدة خارج المواقع الأساسية المشهورة، تبيع وتبيح الألعاب الجنسية الصريحة على منصاتها الإلكترونية، ويسهل تجاوز شروط الدخول العمرية إليها، وتلك المواقع ينبغي تفاديها ليس فقط لخطورة محتواها على الأطفال، ولكن لأن الأغلبية الساحقة منها يحوي أيضًا فيروسات تضر أجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة.